دكتور اشرف عطية يكتب: المحتوى الفكري للموارد البشرية في مصر

إن مصر تمتلك ثروة ديموغرافية ضخمة تضعها في صدارة دول المنطقة من حيث العائد البشري، إلا أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في “العدد” أو “الطاقة الجسدية”، بل في جوهر “المحتوى الفكري” الذي يحرك هذه الطاقات ويلائم معطيات العصر الرقمي والتكنولوجيا المتقدمة والعميقة.
فتتمتع مصر بقوة بشرية هائلة وشابة تُشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي ، حيث يتجاوز حجم القوة العاملة في مصر حاجز الـ 30 مليون فرد، يمتلك معظمهم اللياقة البدنية والجاهزية الجسدية للعمل في مختلف القطاعات الإنتاجية.
و يُصنف المجتمع المصري كـ “مجتمع شاب”، حيث تُشكل الفئة العمرية الشابة (من 15 إلى 64 عاماً) ما يقرب من 60% إلى 65% من إجمالي السكان. هذه النسبة تعكس قوة عمل فتية وقادرة على العطاء لسنوات طويلة قادمة.
وبالرغم من الحجم والانتشار الجسدي، تعاني هذه الموارد البشرية من ضعفٍ واضح في المحتوى الفكري والمعرفي المعاصر، ويظهر ذلك في
اولا : ضعف المهارات المتقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي (AI)، وتحليل البيانات، والبرمجة الحديثة.
ثانيا : نقص الكفاءات النوعية المتخصصة بدقة في مجالات العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات وفق المعايير الدولية.
ثالثا : الاعتماد على معارف تقليدية أصبحت غير ذات قيمة تنافسية في سوق العمل الذي يعتمد على الأتمتة والابتكار والعلوم والهندسة والجينوم والذكاء الاصطناعي .
إن فراغ العقول من المحتوى الفكري المتطور أدى إلى نتائج كارثية على مستوى التنمية:
حيث تحول الملايين من الشباب إلى طاقات معطلة أو مستنزفة في أعمال منخفضة الإنتاجية والقيمة المضافة.
وفقدان مصر لفرص الاستحواذ على حصة من سوق العمل الحر العالمي (Freelancing)، والاستثمار الأجنبي المباشر القائم على المعرفة والتكنولوجيا.
فالأزمة ليست في كسل العامل أو ضعف قوته، بل في “فراغ العقول” من المعارف والأدوات التي يتطلبها الاقتصاد الرقمي
إن الخروج من هذه الفجوة يتطلب ثورة شاملة في بناء الإنسان المصري، ترتكز على الخطوات التالية:
اولا: إعادة هيكلة التعليم: وفيها يتم دمج مفاهيم البرمجة، والذكاء الاصطناعي، والتفكير النقدي في المناهج التعليمية من المراحل المبكرة.
ثانيا : تطوير المحتوى التعليمي: خيث ربط المناهج الحالية بمتطلبات سوق العمل المحلي والدولي، والتركيز على التطبيق العملي بدلاً من التلقين.
ثالثا : الارتقاء بالبحث العلمي: فلابد من ربط مراكز البحث العلمي بالقطاع الصناعي والتكنولوجي، وتوجيه النفقات نحو حل المشكلات الواقعية وتطوير حلول مبتكرة.
لذا لن يتحقق أي تقدم اقتصادي أو حضاري ملموس بمجرد الامتلاك الجسدي للموارد البشرية، فالقوة الحقيقية في العصر الحديث تُقاس بالمعرفة؛ ولن ترتقي مصر إلى مكانتها المستحقة إلا بمحتوى فكري قائم على العلم الحديث والبحث العلمي المتقدم.



